الخميس، 9 يناير 2014

كتاب منطق ابن خلدون

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif
منطق ابن خلدون، د. علي الوردي، الورّاق للنشر، الطبعة الثالثة ٢٠١١
محتويات الكتاب: رأي المؤلف في ابن خلدون، ظهور السفسطة، طفرة ابن خلدون، ابن خلدون ومكيافللي ونظرة الناس إليهما
خصائص المنطق القديم "صورية المنطق، استنباطية المنطق، شخصية المناطقة، مبادئ المنطق الأرسطي، مبدأ السببية ومبدأ الماهية"، المنطق الأرسطي في الإسلام، ابن خلدون والمنطق الأرسطي، ابن خلدون ومنطق الفكر، ابن خلدون ومنطق الفقهاء، لغز الطفرة الخلدونية، ابن خلدون والفلسفة، في سبيل علم اجتماع عربي.
الكتاب يقع في "٣١٧" صفحة من الحجم الكبير من غير الفهارس والمراجع.


إن بحثي سيدور حول ناحيتين من نظرية ابن خلدون. الأولى دراسة المنطق الذي جرى عليه تفكير ابن خلدون عند إنشاء نظريته، والثانية دراسة العوامل الفكرية واللافكرية التي ساعدته على إنشائها.
رب معترض يقول: ما لي أراك مشغولاً با ابن خلدون أو غيره من المفكرين القدماء، أليس في الأفكار العلمية الحديثة ما يغنيك عن ذلك؟
إن هذا قول طالما سمعته من أفواه الكثيرين، وهو لا يخلو من حق، غير أني أرى أن البحث في الأفكار القديمة قد ينير لنا أحياناً سبيل الحياة الجديدة، وأقول هذا في شأن أفكار ابن خلدون بصفة خاصة.
فالرجل كان يعيش في مرحلة فكرية تشبه من بعض الوجوه هذه المرحلة التي نعيش فيها نحن العرب الآن.
إن كثيراً من المتعلمين بيننا لا يزالون ينظرون في أمور الحياة بمثل النظرة التي كان ينظر إليها الفلاسفة القدامى، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إذ هم يهملون ما في الحياة من واقع صارخ، ويحلقون في سماء المنطق التجريدي والأفكار الطوبائية، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق وانتقاد له.
ظهور السفسطة: ظهر تجاه الفلاسفة مفكرون آخرون  كانوا أقرب إلى منطق الحياة الواقعية منهم، وهم الذين اشتهروا في تاريخ الفلسفة باسم السفسطائيين.
وكان من رأيهم أن ليس في الدنيا حقائق مطلقة، إنما هي حقائق نسبية، فما يراه بعض الناس حقاً قد يراه البعض الآخر باطلاً، والإنسان إذن هو مقياس الحقيقة في نظرهم.
لقد كان من المتوقع أن يتطور الفكر الاجتماعي على يد هؤلاء إلى غير ما تطور إليه على يد الفلاسفة، ولكنهم مع الأسف أخفقوا في معركتهم، وانتصر عليهم الفلاسفة، حتى أصبح اسم السفسطة في النهاية لقباً يراد به الذم ويقصد به المغالطة والتفكير الملتوي.
يبدو أن الفلاسفة تمكنوا من هذا الانتصار الساحق على السفسطة لأنهم كانوا سادة من أصحاب النفوذ والمنزلة العالية في المجتمع، بينما كان السفسطائيون معلمين غرباء يحصلون قوتهم عن طريق التعليم.
كان المفكرون يعتقدون بأن الواجب يقضي عليهم أن ينصحوا المجتمع لكي يتخلص من واقعه السيئ، لا أن يصفوا ذلك الواقع ويكتشفوا قوانينه.
فالمجتمع في نظرهم مريض، ولا سبيل لعلاج مرضه إلا بتلقينه الأفكار الصالحة، فإذ عرف المجتمع تلك الأفكار سار عليها، وبهذا ينال السعادة والخير.
من رأي ابن خلدون أن المجتمع لا يمكن علاجه بهذه الطريقة. فالمواعظ المجردة لا تؤثر في الناس لأنهم يسيرون في حياتهم حسبما تقتضيه طبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه.

خصائص المنطق القديم: أخذ المفكرون في العصور الوسطى ينظرون إلى منطق أرسطو نظرة إعجاب وتقديس، مما حدا بهم إلى اعتبار القالب الذي صبه فيه أرسطو قالباً نهائياً لا يجوز تغييره أو التشكيك في صحته.
أهم صفتين رئيسيتين تميز بها المنطق الأرسطي:
١- منطق صوري ٢- منطق استنباطي
منطق صوري: أي أنه يهتم بصورة الشيء ويهمل مادته.
منطق استنباطي: أي يبدأ البحث بالاعتماد على كليات عقلية عامة، ثم يستنبط منها النتائج الجزئية الخاصة.
وأهم طريقة يستخدمها المنطق في الاستنباط هي ما يسمى بالقياس.
والقياس يتألف عادة من ثلاثة أجزاء هي المقدمة الكبرى والمقدمة الصغرى والنتيجة.
ولتوضيح ذلك نأتي بالمثال الشائع الذي يمثر وروده في كتب المناطقة، وهو كما يلي:
كل إنسان فانٍ .. مقدمة كبرى.
سقراط إنسان .. مقدمة صغرى.
إذن سقراط فانٍ .. نتيجة.
لم يقتصر تأثير القياس المنطقي على المجال العلمي فقط بل تعدى أثره إلى الناحية الشخصية في حياة أصحابه.
ومن الأخطاء التي يتورط فيها المناطقة أحياناً كثيرة، من جرّاء اعتمادهم الكلي على القياس المنطقي، أنهم يتسرعون تكذيب كل خبر غريب غير مألوف لديهم.

للمنطق الأرسطي ثلاثة مبادئ:
١- مبدأ العقلانية ٢- مبدأ السببية ٣- مبدأ الماهية
مبدأ العقلانية: يعني الثقة المطلقة بالعقل وبمقدرته على اكتشاف الحقيقة.
فقد كان الفلاسفة يعتقدون أن هناك طريقين للمعرفة لا ثالث لهما هما الحس والعقل.
أما الحس فهو معرض للخطأ دائماً، ولم يبق إذن من طريق للمعرفة الصحيحة إلا طريق العقل.
كان فلاسفة الإغريق بصفة خاصة يحتقرون كل ما من شأنه استخدام الحواس.
وهو احتقار مرجعه في أغلب الظن إلى احتقار الجسم بالنسبة للعقل، حيث كانوا يعتقدون بأن الجسم كتلة مادية فانية بينما العقل كائن روحاني خالد.
ولهذا كانوا يقدرون من يستخدم عقله أكثر مما يقدرون من يستخدم جسمه.
مبدأ السببية: معناه أن جميع حوادث الكون تخضع لقانون صارم هو تعاقب السبب والنتيجة، أو العلة والمعلول.
وخلاصة ما أريد قوله في مبدأ السببية أن المبدأ قد يكون صحيحاً في أساسه الطبيعي، ولكن بعص المفكرين قد يتمسكون به إلى درجة تجعلهم يكذبون الوقائع المشهودة لمجرد أنهم لا يعرفون تعليلاً مادياً لها.
مبدأ الماهية: يقول هذا المبدأ بأن للشيء ماهية ثابتة لا يمكن أن تتغير أو تتناقض مع نفسها.
فلاسفة العصر الحديث انتقدوا المنطق الأرسطي في سبيل الدعوة إلى منطق جديد هو منطق العلوم التجريبية والدراسات الواقعية، أما الذين انتقدوه من المسلمين فقد فعلوا ذلك في الغالب من أجل الدفاع عن العقيدة الدينية والاحتفاظ بسلامتها في النفوس.
وقد نستطيع أن نستثني منهم في ذلك مفكراً واحداً هو ابن خلدون، فقد حاول نقد المنطق لكي يبين قصوره عن فهم الحياة الاجتماعية كما هي عليه في الواقع.
وابن خلدون في هذا يُشبه فلاسفة العصر الحديث شبهاً لا يُستهان به.
وأهم من تأثر بهم ابن خلدون من هذه الناحية، فيما اعتقد، هم الغزالي وابن تيمية.

ابن خلدون والعرب:
ذكر ابن خلدون العرب في بعض فصول المقدمة فوصفهم فيها وصفاً يبدو عليه الذم والانتقاص.
ففي أحد الفصول قال: إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب.
وفي فصل آخر قال: إن العرب أبعد الناس عن سياسية الملك.
وفي فصل ثالث قال: إن العرب يستنكفون عن طلب العلم وانتحاله.. الخ
وقد دفعت هذه الأقوال بعض الباحثين إلى القول بأن ابن خلدون كان شعوبياً بربرياً أراد بها الانتقاص من شأن العرب وذمهم ذماً مقذعاً.
وقد ذهب الأستاذ ساطع الحصري في رأيه بأن ابن خلدون لم يكن يقصد بأقواله المذكورة العرب إنما قصد بها البدو. وأورد الحصري قرائن لغوية وتاريخية واجتماعية عديدة لتأييد رأيه.
وأميل إلى تأييد الحصري في كثير مما جاء به في هذا الصدد. فابن خلدون عند ذكره لمساوئ العرب إنما قصد بها مساوئ البداوة.
ولكني أريد أن أقف هنا قليلاً متسائلاً: هل أن لفظة "العرب" في اصطلاح ابن خلدون مرادفة ومساوية في معناها للفظة "البدو"، أم أنهما مختلفان في المعنى بعض الاختلاف؟
إن هذا سؤال حيرني مدة طويلة ثم عثرت مؤخراً على فقرات في مقدمة ابن خلدون مما جعلني استقر على رأي فيه، وهو رأي يخالف من بعض الوجوه رأي الحصري.
ومما جلب انتباهي على أي حال أن ابن خلدون حين يذكر صفات البداوة في محاسنها ومساوئها يأتي بها تحت اسم "البدو"، ولكنه حين يذكر صفات البداوة في مساوئها فقط يأتي بها تحت اسم "العرب".
يتضح من هذا أن ابن خلدون حين يذكر العرب لم يكن يقصد بهم البدو بوجه عام، إنما كان يقصد بهم النموذج الأقصى للبداوة، وهو النموذج الذي يكون أشد من غيره بعداً عن خصائص الحضارة كالعلم والصناعة والعمران.
رأي ابن خلدون في المُلك:
اعتاد الكثيرون من الفقهاء على التفريق بين الخلافة والملك.
فاعتبروا الخلافة خيراً والملك شراً، وذلك على دأبهم في التجريد المنطقي الذي يضع الأمور في صنفين متضادين لا ثالث لهما.
أما ابن خلدون فهو يرى في الملك رأياً آخر. فالملك في رأيه لا يجوز أن يكون شراً مذموماً على وجه مطلق. إنه كغيره من ظواهر الحياة الاجتماعية قد يكون خيراً أو شراً تبعاً للناحية التي ننظر منها إليه.
طاعة السلطان:
الخروج على السلطان الظالم كان أمراً مقبولاً إلى حد ما في صدر  الإسلام.
وهنا ابن خلدون يبدي رأياً يخالف فيه الجميع. إنه يرى أن المسألة ليست مسألة تحريم أو جواز من الوجهة النظرية المجردة، بل هي مسألة واقعية اجتماعية تتصل بالعصبية. فمن كانت لديه العصبية الكافية التي تمكنه من الثورة والتغلب على السلطان جاز له الخروج عليه، أما من كان ضعيفاً من الناحية الاجتماعية وليس له عصبية كافية تدعمه في خروجه، فالأولى به الجلوس في بيته والتجنب عن إثارة الفتنة والفوضى وسفك الدماء.
أننا في استعراضنا لآراء ابن خلدون، لا نعني أننا نؤيدها أو نؤمن بصحتها. ونحن لا يجوز أن نغالي في تقدير ابن خلدون إلى الدرجة التي نعتبر فيها جميع آرائه صحيحة ليس فيها خطأ أو نقص.
الواقع أن ابن خلدون، كغيره من عظماء المفكرين والعباقرة، يصيب أحياناً، ويخطئ أحياناً أخرى.
إننا باستعراضنا آراء ابن خلدون نقصد تبيان الفرق من الناحية المنطقية بينه وبين غيره من الفقهاء أو الفلاسفة. فنحن لا يهمنا أن يكون الرأي من آرائه خطأ أو صواباً. المهم أن نكتشف فيه الاتجاه المنطقي..

العوامل التي أسهمت في تكوين نظرية ابن خلدون:
١- حين نقرأ ترجمة حياة ابن خلدون، كما كتبها هو بنفسه في كتاب "التعريف" نلاحظ بوضوح أنه كان واقعاً تحت تأثير نزعتين قويتين متضادتين، هما كما قال الأستاذ ساطع الحصري: حب المنصب والجاه من ناحية، وحب الدرس والعلم من الناحية الأخرى.
فابن خلدون كما يلاحظ من سيرته لا يكاد ينهمك في السياسة مدة من الزمن حتى يحاول اعتزال السياسة في نهايتها ليشتغل في طلب العلم، ثم يعود إلى السياسة مرة أخرى ليعود إلى الاعتزال بعدها.
مما يدل على أن ابن خلدون كان يعاني صراعاً نفسياً عميقاً لا يستطيع أن يتخلص منه.
فهو يحب السياسة والعلم معاً ويجد في كل منهما لذة خاصة به، فإذا انهمك في أحدهما زمناً عاوده الحنين إلى الآخر فرجع إليه.
٢- ينتمي ابن خلدون إلى أسرة عربية ذات عراقة وتاريخ معروف. وقد جاءت إلى الأندلس مع العرب الفاتحين في القرن الأول الهجري، وفي القرن السابع نزح بنو خلدون إلى إفريقيا.
ومما يلفت النظر في هذه الأسرة أنها في الوقت الذي كانت تنتج فيه أفراداً نابهين في السياسة كانت تنتج أيضاً أفراداً نابهين في العلم.
وقد وصفها ابن حيان بأنها كانت تتقلب "بين رئاسة سلطانية ورئاسة علمية".
يتبين من هذا أن ابن خلدون نشأ في عائلة كانت تراودها نزعة السياسة من جهة ونزعة العلم من الجهة الأخرى.
٣- يحدثنا ابن خلدون في كتابه "التعريف" عن العلماء والأدباء الذين تلمذ عليهم في بداية حياته. وقد تأثر باثنين منهم على وجه خاص، أولهما عبد المهيمن، وثانيهما محمد إبراهيم الآبلي، وحين ندرس حياة هذين الرجلين نراهما من طرازين مختلفين كل الاختلاف.
فعبدالمهيمن كان، كما وصفه ابن خلدون، إمام المحدثين والنحاة في المغرب. وقد لازمه ابن خلدون وأخذ عنه، سماعاً وإجازة.
أما الآبلي فقد وصفه ابن خلدون بأنه كان شيخ العلوم العقلية، وقد أخذ عنه ابن خلدون المنطق وفنون الفلسفة.
ومما يلفت النظر في الآبلي أنه كان يشتغل بالعلوم العقلية في الوقت الذي كان المغرب فيه تسيطر عليه نزعة قوية ضد تلك العلوم، وكان الناس يعدونها من قبيل الزندقة. ومما يزيد غموض الآبلي أنه كان ذا صلة بالشيعة، والظاهر أنه كان ذا نزعة شيعية.
ليس عندي شك في أن ابن خلدون سنياً شديد الإيمان بسنيته، ولكني أكاد أتلمح في ثنايا سطور مقدمته شيئاً من أثر التشيع. ولعل هذا أتاه عن طريق أستاذه الآبلي.
يبدو أن ابن خلدون كتب فصول مقدمته وهو في أطوار نفسية وفكرية مختلفة، كشأن أكثر المفكرين العظام الذين يقعون تحت تأثير نزعات متناقضة، فهم يندفعون في إحدى النزعات تارة وفي الأخرى تارة أخرى.
كان ابن خلدون يطمح إلى تأسيس إمارة أو دولة صغيرة لنفسه وأسرته، ليعيد بها مجد أسرته القديم. والظاهر أنه وجد نفسه في نهاية المطاف فاشلاً مخذولاً، فأخذ يتأمل في أسباب فشله. ويمكن القول إنه أثناء هذا التأمل اكتشف نظرية العصبية وما لها من أهمية في تأسيس الدول.
٤- من العوامل التي أثرت في تفكير ابن خلدون، العامل الذي يتصل بالوضع الحضاري العام في الإسلام. فالقرن ال١٨ الذي عاش فيه ابن خلدون كان من أسوأ القرون التي مر بها الإسلام من الناحية السياسية. فقد جاء بعد سقوط الخلافة العباسية على أيدي المغول، كما شهد تحفز النصارى للقضاء على الدويلة الباقية للإسلام في الأندلس.
لا بد للفقهاء والمفكرين المسلمين من أن يتأملوا في هذا الوضع وأن يبحثوا في أسبابه. ومن الممكن القول إن الكثيرين منهم أخذوا يميلون إلى تعليل ذلك بكون المسلمين قد انحرفوا عن تعاليم دينهم وسنة نبيهم فعاقبهم الله على ذلك بأن سلط عليهم الكفار.
يبدو أن ابن خلدون كان قد تأثر بوضع الغربة الذي حل بالإسلام في عصره، على منوال ما تأثر به زملاؤه الفقهاء. فهو مثلاً يقارن في مقدمته بين أحوال المسلمين في الصدر الأول وأحوالهم في زمانه، فيقول إنهم كانوا في الصدر الأول لا يترددون عن إفساد دنياهم في سبيل إصلاح دينهم، بينما أصبحوا في زمانهم الأخير يجرون العكس من ذلك.
ولكن ابن خلدون يخالف جمهور الفقهاء من ناحية أخرى. فالفقهاء بوجه عام يعتقدون بإمكان إنقاذ الإسلام من غربته عن طريق الرجوع إلى السنة النبوية الأولى. ولهذا كانوا يوالون الوعظ والصراخ في سبيل تحريض المسلمين على الرجوع إلى السنة.
أما ابن خلدون فكان رأيه أن غربة الإسلام أمر محتوم لا مناص منه ولا جدوى من الوعظ والصراخ فيه.

يخيل لي أن ابن خلدون كان ناوياً في البداية أن يجعل المقدمة بضع صفحات ثم يأخذ بعدها بكتابة تاريخه، ولكنه لم يكد ينتهي من تلك الصفحات حتى انفجرت قريحته وانصبت عليه الخواطر تتوالى خاطراً بعد خاطر.
مما يدل على هذا ما نجده في المقدمة من تهافت وفوضى في التبويب والتنسيق.
فهي في الواقع غير منسقة أو مرتبة في نظام أعد سابقاً، وكثيراً ما نرى فيها تكراراً مملاً ومفارقات غير مستساغة. وهذا يدل على أن ابن خلدون كتبها عجلاً تحت تأثير فيض الخاطر.
يصف الأستاذ ساطع الحصري حالة ابن خلدون النفسية أثناء كتابة المقدمة فيقول: "فإنني عندما أتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد، أجزم بأن توصله إلى مجموعة الآراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في المقدمة، إنما كان حدث من جراء "تدفق فجائي"، بعد "حدس باطني".
إني أؤيد الحصري في هذا القول. ويخيل لي أن ابن خلدون أثناء انهماكه المفاجئ في كتابه المقدمة كان كالمخترع الذي تومض في رأسه فكرة خاطفة فينكب على اختراعه وهو يسأل نفسه متعجباً: لماذا لم تطرأ بباله تلك الفكرة من قبل.
تأليف ابن خلدون:
يعترف ابن خلدون أن بعض المسائل التي بحثها في مقدمته كانت قد وردت عرضاً في كتب العلماء والفلاسفة والفقهاء قبله، ولكنها كانت هناك متفرقة، ومختلطة بغيرها، أما هو فقد جمعها وجعلها أصلاً لعمله الجديد.
نلاحظ أن ابن خلدون قد استفاد من القرآن في إنشاء نظريته الاجتماعية فائدة غير قليلة، لا سيما من حيث ذم الترف وتبيان أثره في هلاك الأمم. لكنه حول موضوع الترف من إطاره الديني الذي نشهده في القرآن إلى إطار آخر هو الإطار الاجتماعي.
ابن خلدون والفارابي:
الفارابي من أكبر فلاسفة الإسلام، وقد عده البعض أكبرهم على الإطلاق. وقد كتب في الاجتماع كتاباً عنوانه "آراء أهل المدينة الفاضلة" نحى فيه منحى أفلاطون في "الجمهورية".
أرجح الظن أن ابن خلدون اطلع على كتاب الفارابي هذا واستفاد منه.
مما يدل على ذلك أننا نجد ابن خلدون يبدأ بحثه في العمران البشري بعبارات تشبه عبارات الفارابي شبهاً غير قليل. فكلاهما يقول إن الفرد من البشر مضطر في حياته إلى التعاون مع أبناء جنسه، إذ هو غير قادر على القيام بمستلزمات بقائه بمفرده.
ولكن الفرق في منهج البحث بينهما يأخذ بالظهور منذ البداية.
فالناس في نظر الفارابي إنما يتعاونون لكي يقيموا أود حياتهم أولاً، ولكي ينالوا الكمال الذي من أجله فطرت الطبيعة البشرية ثانياً.
أما ابن خلدون فلا يعترف بهذا الكمال المثالي الذي يقول به الفارابي. ففي رأيه أن البشر إنما يتعاونون لكي يحصلوا على القوت أولاً، ولكي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم تجاه الحيوانات التي هي أعظم قوة من الإنسان ثانياً.
نستطيع أن نقول  بوجه عام إن الفارابي إنما كتب كتابه من أجل غاية وعظية. إنه يريد أن يبين للناس كيف ينالون الكمال والسعادة المطلقة.
أما ابن خلدون فقد ملأ مقدمته بوصف أحوال الناس وعاداتهم، غير أنه لم يقصد بها الذم كما فعل الفارابي، بل قصد بها أن يقول: هذه هي الأحوال التي فطر عليها الناس منذ خلقهم الله حتى يوم يبعثون، وليس في إمكان الناس أن يكونوا في المستقبل على غير ما كانوا عليه في الماضي.
وخلاصة ما نقوله في الفرق بين منطق الفارابي ومنطق ابن خلدون، إن الأول منهما يبحث في ما "هو واجب" بينما الثاني يبحث في "ما هو واقع". وذلك فرق عظيم بلا ريب.
هل كان ابن خلدون فيلسوفاً؟
ذكر ابن خلدون في كتاب "التعريف" شيئاً كثيراً عن الدروس الفلسفية التي قرأها على أستاذه الآبلي، وكان يفتخر بها. والظاهر أنه أراد بذلك أن يقول بأنه درس الفلسفة دراسة مستفيضة في أيام شبابه، واستفاد منها في شحذ ذهنه وترتيب أدلته، ولكنه يؤمن بصحة ما جاء فيها من آراء مخالفة للشريعة.
خلاصة رأي ابن خلدون في الفلسفة أنها ليس فيها سوى ثمرة واحدة هي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة

الخميس، 2 يناير 2014

كتاب قصة الإمام محمد بن عبد الوهاب









قصة الإمام محمد بن عبدالوهاب، د. راغب السرجاني، مؤسسة اقرأ للنشر
الطبعة الأولى ٢٠١١

ينقسم الكتاب إلى ست فصول:
١- التجديد في زمن الضعف ٢- قصة الإمام من الميلاد إلى الوفاة
٣- الإمام الإنسان ٤- الإنتاج الفكري للإمام
٥- مرتكزات الدعوة وآثارها ٦-  الإمام في ميزان العلماء

"التجديد في حياة الأمة"
التجديد في حياة أمتنا أمر حيوي؛ لأنه يعيد للإسلام أصالته وحيويته، فيعيش من جديد في قلوب الناس وعقولهم، ولهذا التجديد مقومات وركائز يقوم عليها، فالركيزة الأولى: الجمع بين خاصتي الثبات والمرونة. فالثابت هو الإسلام والمرونة تكمن في الشريعة الخصبة الثرية، الصالحة للنماء والتجديد.
والأحكام الاي يمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان: هي تلك الأحكام التي ربطها الشارع بعللها وأسبابها؛ فحين تتغير العلة أو السبب، فيعني ذلك أن الواقعة قد تغيرت، فيتغير حكمها تبعاً لذلك.
الركيزة الثانية: رعاية الضرورات والأعذار والظروف الاستثنائية.
الثالثة: مراعاة الشريعة لمصالح العباد.
الرابعة: مراعاة الشريعة لأعراف الناس وعاداتهم.
وللمجدد صفات وشروط يجب أن تتوافر فيه حتى نطلق عليه مجدداً؛ منها: أن يكون معروفاً بصفاء العقيدة وسلامة المنهج.
وأن يكون عالماً مجتهداً؛ وكذلك أن يشمل تجديده ميداني الفكر والسلوك في المجتمع.

"حال الأمة الإسلامية قبل الإمام"
بلغ العالم الإسلامي مكانة سيئة من الانحطاط الفكري؛ فقد كانت أبواب الاجتهاد والفكر قد أغلقت منذ زمن، واتصفت الحالة العلمية بالركود والتخلف،
وقد بلغ هذا الانحطاط مبلغاً جعل غير المسلمين من المستشرقين والرحالة وغيرهم يسطرون اندهاشهم منه أكثر من اندهاش المسلمين أنفسهم.
يصف الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد تلك الحقبة بقوله: أما الدين فقد غشيته غاشية سوداء؛ فألبست الوحدانية التي علّمها صاحب الرسالة ستراً من الخرافات وقشوراً من الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء...إلى أن قال وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهي الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من يستحقها من المسلمين كما يُلعن المرتدون وعبدة الأوثان.
وخلاصة القول: إن الإسلام كان متجهاً إلى الإنحطاط.

لم تكن الجزيرة العربية بما فيها بلاد نجد في حالة مستقرة دينياً وسياسياً؛ إذ تأثرت بما حولها من البلدان الإسلامية الأخرى.
فبلاد نجد قبل ظهور الإمام كانت بعيدة عن النبع الصافي للكتاب والسنة الصحيحة، منغمسة في الملذات.
ففي منطقة الجبيلة وما حولها كان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب فيدعونه لتفريج الكرب وقضاء الحاجات..
وفي مدينة الدرعية زعموا أن هناك غاراً كبيراً خلقه الله تعالى لامرأة تسمى بنت الأمير، "أراد بعض الفسق
 أن يظلمها، فصاحت ودعت الله؛ فانفلق لها الغار بإذن الله، فأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا"
كما كانوا يعتقدون بصدق الأولياء المزعومين والدجالين والمشعوذين.

للتوضيح: لا يمكن الجزم بأن كل من كان في بلاد نجد وما حولها على هذا الاعوجاج والسفه؛ فقد ظهر كثير من العلماء والعباد والنساك والصالحين في هذه المناطق؛ ولكن الذي نقصده أن الميسم العام لهذه البلاد وغيرها في أقطار العالم الإسلامي في تلك الحقبة من القرن ال١٢

وفي الأماكن المقدسة، فقد وصل الأمر في المدينة المنورة إلى انتهاك حرمة قبر النبي صلى الله عليه وسلم "كتعفير الخدود، والانحناء والسجود، واتخاذ قبره عيداً"
وفي جدة، كان الأمر أعظم بلاء؛ فقد بنى الجهلاء قبراً طوله ستون ذراعاً عليه قبة، وقد زعموا أنه قبر حواء. فيجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على بال.
وفي الطائف عند قبر ابن عباس رضي الله عنهما يقف المكروب والخائف متضرعاً مستغيثاً، كما كان الباعة في الأسواق يقرنون بينه وبين الله تعالى في ندائهم قائلين: "اليوم على الله وعليك يا ابن عباس".
ووسط هذه الظروف والأحوال المضطربة ظهر الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب صادحاً بالحق، داعياً إلى الله تعالى، يقود الجزيرة العربية إلى ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بعدما اندرست معالم الدين..

ميلاد ونشأة الإمام:
الإمام محمد بن عبدالوهاب جده، سليمان بن علي بن مشرف من أشهر العلماء في عصره ومصره، وله كتاب مشهور في المناسك.
ووالده عالماً فقيهاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان من علماء نجد المشهورين، وقضاتها المعروفين.
تعلّم محمد بن عبدالوهاب القرآن وحفظه قبل بلوغ العاشرة، وكان يتمتع بالذكاء وسرعة الحفظ.
كان والده يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام.
ولم يكن محمداً في طفولته كأقرانه ممن يحبون اللعب والمرح، بل كان يقضي معظم وقته في الاطلاع على الكتب وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأحمد بن حنبل، التي كان لها الأثر الكبير في تكوين شخصيته العلمية الصحيحة.
اتجه محمد بن عبدالوهاب إلى المدينة المنورة طلباً للعلم وقد كانت وقتئذ مليئة بالعلماء.
ومن المواقف التي أثرت في الإمام وكانت سبباً لمقاومته لكل مظاهر الشرك والبدع في الجزيرة العربية، ذلك الموقف الذي شاهده عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الحجرة النبوية، إذ رأى أناساً يدعون ويستغيثون بقبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي البصرة بدأت مرحلة جديدة في حياة الشيخ رحمه الله، إنها مرحلة الجهر بما يؤمن ويعتقد؛ فلقد رأى في البصرة أموراً أطم وأعظم مما رآه سابقاً في المدينة، فقرر من توه أن يحدث الناس عن خطورة البدع والخرافات، لكن ذلك لم يجدِ مع أقوام تربوا وأشربوا في قلوبهم البدع والضلالات؛ ومن ثم قوبل الإمام بالتكذيب والوعيد، بل وتعرض للضرب والسب..
بدأ محمد بن عبدالوهاب بدعوة عشيرته الأقربين، ثم دعوة قومه، فأجلى لهم حقيقة التوحيد الخالص لله تعالى، واستمر ينشر دعوته بين الناس بالحكمة والموعظة متخذاً كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
بدأ الشيخ في أخذ مجموعة من الإجراءات العملية المهمة في سبيل نشر الدعوة؛ إذ قطع الأشجار التي عظمها الناس، وهدم قبة زيد بن الخطاب رضي الله عنه.
توجه الشيخ إلى الدرعية وكانت تحت حكم الأمير محمد بن سعود، الذي اقتنع بصدق دعوة الإمام وبشره بالنصرة والجهاد لمن خالف التوحيد.
ولقد فتح الله على الدرعية بسبب احتضانها للدعوة؛ فقد أحدث وجود الشيخ انقلاباً جذرياً في حياة سكانها ومعتقداتهم؛ فأصبحت هذه البلدة المركز الرئيس للدعوة، ونشط التعليم، حيث كان الشيخ يلزم كل فرد من أنصاره بتعلم القراءة والكتابة مهما كانت سنه، أو علت منزلته.

درس الإمام محمد بن عبدالوهاب القرآن والحديث، والمذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، كما درس مذاهب غيرهم كالشيعة، ولم يفته علم الكلام؛ فقد درسه واتخذ معه سبيل السلف الصالح؛ فاستنكر مصطلحات علماء الكلام وأسلوبهم في النفي والإثبات، واستنكر طريقة الكلاميين في الجدل والمنطق؛ لأنها مزلقة ومضلة.
ولقد لفت الشيخ نظر المسلمين إلى طلب الدليل على ما يعرض لهم من مسائل وقضايا، والبحث عن صحة الدليل، والتنقيب عن قوته، وهذه مأثرة علمية عظيمة تميز بها عمن سواه.
ومع غزارة العلم، وإلحاح في الطلب والسعي من أجله، فإن الشيخ لم يكن صاحب ترف فكري، أو علم دون عمل
فواقع حياة الرجل وأخباره وما حققته دعوته تؤكد أنه كان من العلماء العاملين، بل كان يحض أنصاره على ضرورة تحليهم بالعلم والعمل.
لقد افترى الكثيرون على علم الإمام وعقيدته، فأوردوا شُبهاً خطيرة تُحرف الحقيقة، وتدعي الباطل؛ ومن ثم دفع هذا الأمر الإمام إلى بيان عقيدته التي يدين بها، والتي نستشفها من رسائله الكثيرة..
كان اجتهاد محمد بن عبدالوهاب قائماً في أساسه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين والعلماء العاملين، وقد رأى الشيخ رحمه الله أن باب الاجتهاد مفتوح على الدوام لمن صلح لهذا الشأن.
وكما كان الشيخ محباً وناصراً للإمام أحمد بن حنبل، فإنه كان مشغوفاً بمتابعة الإمامين ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله، لكنه لم يقلدهما في كل مسائلهما، وهو ما اعترف به.
ومن الأبواب الفقهية التي تجلى فيها اجتهاد الشيخ ومراعاته لمقاصد الشريعة الغراء ومراميها، باب التيمم.
كما طالب كل مجتهد بأن يعود إلى سيرة السلف الأولى؛ من حيث البحث عن الدليل قبل شخص المستدل به
ومن ثم فقد أعلن حرباً شعواء على التقليد والمقلدين، الذين يخوضون فيما لا يعلمون، ويقولون بما لا يفقهون.
أثر عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب لينه في خطابه مع المخالفين، وشفقته في مناصحة الجاهلين.
ودائماً ما تقبل الشيخ اللوم والعتاب، بل والهجوم على شخصه ودعوته بنفس راضية وادعة؛ فلا يرد الإساءة بمثلها، بل يرد الإساءة بإحسان؛ وقد حوت مكاتباته ومراسلاته من هذا الأمر الكثير.
كاتب الشيخ "عندما استقر في الدرعية" بدعوته أهل البلدان ورؤساءهم ومدعي العلم فيهم، فمنهم من قبِل الحق واتبعه، ومنهم من اتخذه سخرياً واستهزءوا به، ونسبوه إلى الجهل تارة، وإلى السحر تارة أخرى، ورموه بأشياء هو برئ منها جميعاً، وبقي يدعو ربه بالحجة الواضحة والموعظة الحسنة.
فلم يبادر أحداً بالتكفير، ولم يبدأ أحداً بالعدوان، بل توقف عن كل ذلك ورعاً منه وأملا في أن يهدي الله الضالين.

أول مؤلفاته كتابه: "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، ويظهر فيه جلياً ما تمتع به الشيخ من علم راسخ في أمور العقيدة، وقد كان لعلمه بهذه أثره الواضح في شخصيته وأخلاقه ومعاملاته، وما تمتع به من جرأة قوية في الحق.
ومما يدل على ذلك ما أرسله لأحد كبار شيوخ القبائل، قائلاً له: "إن كنت تظن في خاطرك أنا نبغي أن نداهنك في دين الله، ولو كنت أجلّ عندنا مما كنت فأنت مخالف"
ولذلك ما كان رحمه الله يخشى في الله لومة لائم؛ إذ يقول الحق، مهما كلفه ذلك من ثمن.
علم أن بعض من ينهون عن المنكر من أهل الحوطة من بلدان سدير، يغلظون العقوبة، فأرسل إليهم ناصحاً
"... أن بعض أهل الدين ينكر منكراً، وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان..
وذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار، يحصل بسببه افتراق، لم يجز إنكاره!
استطاع الشيخ امتلاك قلوب الأنصار عبر تفعيل المشاركة الشعبية في الدعوة، فكون لجاناً من المحتسبين والقضاة، وأرسلهم إلى البلدان والقرى البعيدة في الصحراء، وكانت أهداف هذه المشاركة الشعبية قائمة على ثلاث مرتكزات:
١- إنكار الشرك، والدعوة إلى التوحيد الخالص قولاً وعملاً.
٢- حث الناس على إنكار البدع والخرافات.
٣- المشاركة الفعالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلزام الناس بالحق.
الاحتساب كان الهدف الرئيس من الدعوة؛ إذ كان المنكر والشرك من الأمور المنتشرة بين الناس في الجزيرة العربية، ولكن الإمام قد ربى جيلاً من المحتسبين الذين كانوا على درجة عالية من العلم الشرعي، والمعرفة الواقعية بأمراض الأمة وأدوائها.
وقد وضع الإمام لهؤلاء المحتسبين مجموعة من الشروط حتى يسيروا عليها، ويأخذوا بها في تعاملاتهم وهذه الشروط هي:
١- معرفة ما يأمر به الآمر وما ينهى عنه الناهي.
٢- الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٣- الصبر على الأذى الذي يترتب على القيام بهذه المهمة.
٤- ألا يؤدي إنكار المنكر إلى ما هو أنكر منه.
٥- ألا تكون المسألة من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين أهل العلم المعتبرين.
٦- أن يكون الإنكار في أول الأمر على شكل نصيحة سرية لمن صدر منه المنكر، فإن لم يتب أنكر عليه المحتسب علانية.

مع سعة علمه الذي اتصف به إلا أنه كان يبتعد عن طلب السمعة والمكانة، كما كان يطلب من أهل العلم أن يبينوا له الأخطاء التي ارتكبها.
إن اتصاف الإمام بهذه الصفة جعل دعوته أمراً مقبولاً بين العامة والخاصة؛ لأن صاحب الخبق الحسن لا بد وأن يجد له أنصاراً مؤيدين لنهجه..
كتب ومؤلفات الإمام: أولويات التأليف عنده أن يعالج قضية الشرك والبدع والمخالفات الشرعية القائمة في عصره.
وأما أسلوبه فهو واضح لا يوجد فيه أي تعقيد؛ حتى إن لغته سهلة ميسرة يستطيع كل قارئ مهما كانت ثقافته أن يفهمها ويطلع على ما تحويه من معانٍ.
ومن مؤلفاته: كتاب التوحيد، كتاب الكبائر، كشف الشبهات، مسائل الجاهلية، أصول الإيمان، فضل الإسلام، فضائل القرآن...

أسباب نجاح الدعوة: تعددت الأسباب التي أدت إلى نجاح دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب وانتشارها في أرجاء الجزيرة العربية، بل وامتداد آثارها إلى خارج أقطار الجزيرة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها قوة إيمان الإمام ومن جاء بعده من علماء الدعوة وأئمتها بالمبادئ التي نادى بها، وصدق عزيمتهم، وكذلك التزامهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
اهتم الإمام بالعلم الشرعي، وجاء في كتابه "الأصول الثلاثة" بكلام يدلل على عمق فهمه لقضية العلم، وتوجيه المسلمين نحو الأولوية في تعلم العلم الشرعي، فقال: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
١- العلم؛ وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
٢- العمل به.
٣- الدعوة إليه.
٤- الصبر على الأذى فيه.
كان الإمام محمد بن عبدالوهاب قدوة طيبة بشهادة من عاصروه؛ ونتيجة لأخلاقه الطيبة وحكمته في تعامله مع الناس جميعاً؛ فقد تقربت منه كل طوائف الجزيرة العربية.
وهذا ما أكده المؤرخ ابن غنام حيث يقول: وبقي في الدرعية رحمه الله يدعو إلى سبيل ربه بالحجة الواضحة، وبالموعظة الحسنة، فلم يبادر أحداً بالتكفير، ولم يبدأ أحداً بالعدوان، بل توقف عن كل ذلك ورعاً منه، وأملاً في أن يهدي الله الضالين.

العلماء المنصفون لدعوة الإمام: أنصف كثير من علماء المسلمين الموثوق بأخلاقهم وعلمهم دعوة الإمام، فعدوها من الحركات المؤثرة في المجتمع الإنساني في القرن ال١٨ وما تلاه من القرون ويأتي على رأسهم:

١- المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي: فقد أنصف الدعوة السلفية وأتباع الإمام محمد بن عبدالوهاب، وجاء كلامه عنه مؤثق بالأدلة التاريخية.
٢- الأستاذ عباس العقاد: تناول في كتابه "الإسلام في القرن العشرين" دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب فقال: ظاهر من سيرة الإمام أنه لقي في رسالته عنتاً، فاشتد كما يشتد من  يدعو غير سميع؛ ومن العنت إطباق الناس على الجهل، والتوسل بما لا يضر ولا ينفع.. إلى أن قال .. فكان حقاً على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أنها صرفتهم عن ألوان من البدع.."
٣- طه حسين: أثنى على دعوة الشيخ ثناءً طيباً، ذكره في بحث نشره بعنوان "الحياة الأدبية في جزيرة العرب"، جاء فيه "أن هذا المذهب جديد وقديم معاً؛ والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأن ليس إلا الدعوة القويمة إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية..."
المنصفون من الغربيين:
١- بوكهارت: قال عن مبادئ الدعوة: "لم تكن مبادئ محمد بن عبدالوهاب مبادئ دينية جديدة؛ بل كانت جهوده موجهة فقط لإصلاح المفاسد التي تفشت بين المسلمين.."
٢- دائرة المعارف البريطانية: جاء فيها في نعرض حديثها عن الوهابية ما يلي: "الوهابية: اسم لحركة التطهير في الإسلام، والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح".